أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
324
التوحيد
( وأما أقوال العارفين ) باللّه من العرب والعجم والروم والفرس والهند بالألسنة المختلفة والنظم والنثر ( الدالة ) جميعها ( على ) معنى ( وحدة الوجود ) كما ذكرنا ( فكثيرة ) جدا بحيث ( لا تتأتى ) أي تتحصل ( في العدد والحصر ولذا ) أي لأجل هذا ( لم أذكرها ) في هذه الرسالة المختصرة ( وإن شئت ) أي أردت الاطلاع على ذلك ( فعليك بمطالعة ) أي الزم النظر والتأمل في ( نسخهم ) أي كتب العارفين ومصنفاتهم ودواوينهم ( تجد ما قلناه إن شاء اللّه تعالى ) واللّه الموفق . فصل ( أيها الطالب ) لعلم الحقيقة ومعرفة اللّه تعالى المعرفة الذوقية الكشفية التي هي معرفة الأنبياء والمرسلين والأولياء الوارثين ( إن أردت الوصول إلى اللّه تعالى ) على الطريقة المذكورة ( فالزم متابعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، وواظب على العمل بسنته . ( أولا ) أي في ابتداء شروعك ( قولا ) بحيث لا تقول إلا ما قاله عليه السلام ( وفعلا ) بحيث لا تفعل إلا ما فعله عليه السلام ( ظاهرا ) بأن يكون ذلك في ظاهر جوارحك ( وباطنا ) بأن يكون ذلك في باطنك ( أيضا ) أي في قلبك ونيتك ( ثم افعل ) بعد ذلك ( مراقبة وحدة الوجود ) على الوجه الذي شرحناه لك في هذه الرسالة . ( ثانيا ) بأن تفرغ قلبك في بيت خال من الناس فلا يخطر في بالك خاطر دنيوي ولا أخروي غير الإقبال على اللّه تعالى الوجود الواحد الحق ( التي هي ) أي وحدة الوجود ( عين معنى الكلمة الطيبة ) لا إله إلا اللّه فإن معنى لا إله إلا اللّه لا مستغن عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا اللّه تعالى ، ولا شك عند العقلاء جميعا أن الوجود الواحد الحق مستغن عن كل ما سواه من صور العالم وتقاديرهم وتعينات أرواحهم ونفوسهم وأشباحهم وجميع أحوالهم لأنه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق ، وجميع العوالم كما ذكرنا مفتقرة إليه لتظهر به وتتعين فيما هي متعينة به مما ذكرنا ، وهذا معنى وحدة الوجود ، فهو معنى الكلمة الطيبة ( من غير اشتراط الوضوء ) ، لرفع الحرج عنك بذلك ( وإن وجد ) أي الوضوء منك ( فهو أولى ) أي أمر مستحب لأن المواظبة على الوضوء استحبها العلماء لموافقة السنة ( ولا ) اشتراط ( تخصيص وقت دون وقت ) من ليل أو نهار ( ومن غير ملاحظة النفس ) بفتح الفاء ( دخولا وخروجا ) من فمك إلى جوفك وبالعكس ( في ) حال ( المراقبة ) للوجود الواحد الحق سبحانه كما قال بذلك جماعة من الصوفية لأن في اعتبار ذلك اشتغالا عما هو المطلوب ( ولا ملاحظة حروف الكلمة الطيبة ) كلمة لا إله إلا اللّه بأن تلتفت إلى مراعاة تجويدها وإعرابها فإن ذلك يشغل القلب عن مشاهدة المطلوب ( بل لا تلاحظ إلا المعنى فقط ) أي معنى لا إله إلا اللّه الذي هو معنى وحدة الوجود ( في كل حالة ) من غير حال مخصوص ( قائما وقاعدا ماشيا ومضطجعا متحركا وساكنا شاربا وآكلا ) ولو كنت في صنعتك مشتغلا بها أو في